"أسبوع الكتاب المقدّس 2015"

قدت ظهر اليوم الخميس ندوة صحفية في المركز الكاثوليكي للإعلام، بدعوة من اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام حول "أسبوع الكتاب المقدّس 2015"، بمناسبة الأسبوع البيبلي الثالث وموضوعه الرحمة، ويبدأ من 15– 21 تشرين الثاني 2015، ويحتفل بصلاة الافتتاح الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى، السبت 14 تشرين الثاني الساعة الحادية عشرة صباحاً في الصرح البطريركي في بكركي، ويتخلل الأسبوع محاضرات بيبليّة، ندوات في المركز، ونشاطات في المدارس الكاثوليكيّة، ويختتم بلقاء مع الشباب الجامعي في العمل الرعوي الجامعي يوم الأحد 22 من الشهر القادم.

شارك فيها رئيس أساقفة بيروت للموارنة ورئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام المطران بولس مطر، راعي أبرشية جبيل المارونية، المطران ميشال عون، مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الخوري عبده أبو كسم، أمين عام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليكي في لبنان المونسنيور وهيب خواجا، أمين عام جمعية الكتاب المقدّس د. مايك بسوس. وحضرها المسؤول عن الفرع البصري والسمعي في المركز الأب سامي بو شلهوب  والاب انطوان عطالله وعدد كبير من أعضاء الجمعية والإعلاميين والمهتمين.

 

المطران مطر

رحب المطران مطر بالحضور وقال "يسرنا أن نفتتح هذه الندوة في مناسبة "اسبوع الكتاب المقدّس الذي يقام كل سنة، وفي المناسبة أذكر أن البابا السابق الفخري بنديكتوس السادس عشر، يوم عقدنا المجمع من أجل الشرق الأوسط في روما،  طلب والمجمع  منا في لبنان والشرق والعالم أن نسهر نحن الأساقفة على أن يكون هناك كتاب مقدّس في كل بيت."

أضاف "وبالفعل جهدنا جهداً كبيراً وطبعنا عشرات آلاف النسخ مع الكتاب المقدّس مع جمعية الكتاب المقدّس ووزعناه على العائلات، وبالمناسبة أيضاً طُلب أن يُخصّص أسبوع في كل سنة للكتاب المقدّس، لأن كل شيء بدأ بكلمة الله، بكلمته خلق العالم، بكلمته الأبن الإزلي خلص العالم بكلمته وإنجيله الطاهر يرشدنا إلى كل حق والروح القدس يُلهمنا إلى كل عمل صالح لذلك لا نستطيع أن نقوم بعمل صالح وأن نكون في طريق الرب دون أن نستمع تكراراً وتكراراً إلى كلمته التي فيها حياة."

 

الخورأسقف الخواجه

ثم قدّم الخورأسقف وهيب الخواجه برنامج أسبوع الكتاب المقدّس السنوي الثالث جاء فيها: "في الحادي عشر من شهر نيسان المنصرم، وجّه قداسة البابا فرنسيس رسالة الى مؤمني الكنيسة الكاثوليكية الجامعة تحت عنوان "مرآة الرحمة" يحدّد فيها سنة يوبيلية غير عادية، من الثامن من كانون الأول القادم الى العشرين من تشرين الثاني من العام 2016، يتعمّق فيها المؤمنون بسرّ رحمة الآب الذي تجلّى في وجه ابنه يسوع المسيح ووالدته العذراء مريم."

قال "وفي السابع من تموز 2015، أصدر المجلس الحبري للكرازة الجديدة توجيهات حول هذه السنة اليوبيلية وكيفية الاحتفال بها، تجاوبًا مع مقاصد الحبر الأعظم ورغبته في أن تكون هذه السنة وقتًا مميّزًا لتنقية النفوس وتجديد الشهادة لمحبة الله".

تابع "انسجامًا مع إرادة قداسته، اختارت اللجنة المكلّفة إعداد برنامج الأسبوع البيبلي الثالث موضوع الرحمة عنوانًا لهذا الأسبوع، والبرنامج الذي أعدّته اللجنة ليس سوى مساهمة بسيطة في مسيرة الاحتفال بهذا الاسبوع الذي يوصي به مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، ويأمل بأن يلقى في الأبرشيات والرهبانيات والحركات الرسولية والجامعات والمدارس والمؤسسات الكاثوليكية المختلفة الاهتمام اللائق بكلام الله، بحيث يعبّر شعب الله كله عن إيمانه بهذا الكلام، ويخصّه بالإكرام الذي يستحقّه."

 وقال "واستنادًا الى هذه القناعة، سعت اللجنة الى وضع برنامج يشتمل على بعض النشاطات، أهمّها:

‌أ.   إطلاق الأسبوع بصلاة افتتاحية يحتفل بها صاحب الغبطة والنيافة، رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، الكردينال مار بشاره بطرس الراعي الكلي الطوبى، في كنيسة الصرح البطريركي في بكركي، في ختام دورة المجلس العادية، يوم السبت في الرابع عشر من تشرين الثاني 2015، عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر.

‌ب. ندوات إعلامية ينظّمها مشكورًا كعادته المركز الكاثوليكي للإعلام، وفيها مداخلات حول موضوع الأسبوع يقدّمها أخصّائيون في الكتاب المقدس. هذه الندوات التي تسبق الأسبوع البيبلي وتتزامن معه هي مدخل ضروري يوجّه نشاطات الأسبوع المتنوعة ويؤسسها على قاعدة صلبة ومحورية لشركة المؤمنين وشهادتهم.

‌ج.  محاضرات حول الرحمة في الكتاب المقدس يعدّها ويقدّمها أخصائيون أعضاء في الرابطة الكتابية في لبنان والشرق الأوسط. وهي تلاقي الحاجة الى تفسير كلام الله بحثًا عن معناه العميق، ليكون روح الحياة المسيحية وركيزتها.

‌د.  نشاطات في المدارس الكاثوليكية تتمحور حول وقفة صلاة يومية من وحي النصوص الكتابية وأوقات التعليم المسيحي التي تخصّص لموضوع الأسبوع بالذات.

‌ه.       لقاء مع الشبيبة في مدينة زحلة بحضور مطارنة الكنائس الكاثوليكية.

‌و.  اختتام الأسبوع، للمرة الثانية، مع الشباب الجامعي في العمل الرعوي الجامعي، ضمن يومه السنوي الذي يحتفل به يوم الأحد في الثاني والعشرين من الشهر القادم. وهم بذلك يستجيبون لنداء الكنيسة الذي يعبّر عنه البابا بندكتوس السادس عشر بقوله للشباب في الارشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط": لا تتردّدوا في الانضمام الى كل مبادرة من شأنها مساعدتكم على توطيد إيمانكم" (عدد 63).

وقال "بناء عليه، تأمل اللجنة المذكورة، أن يتجاوب شعب الله كلّه، مع توصية مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، فنجعل من هذا الأسبوع البيبلي، سنة بعد سنة، مناسبة روحية مميّزة نحتفل فيها من خلال نشاطات متنوعة، بحسب الفئات والأعمار والمؤسسات الكنسية، بعهد الإيمان الذي قطعه الله مع شعبه وختمه بدم ابنه الوحيد وسلّمه الى كنيسته عربون محبته العظمى ورحمته الواسعة."

وفي الختام قال " تتوجه الأمانة العامة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، باسم أعضائه وهيئته التنفيذية، بالشكر الجزيل الى أعضاء لجنة إعداد الأسبوع البيبلي الثالث، ومن خلالهم، الى جمعية الكتاب المقدّس والأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية والعمل الرعوي الجامعي، والى هذا الصرح الإعلامي المميّز، المركز الكاثوليكي للإعلام، والى الرابطة الكتابية في لبنان والشرق الأوسط، على الجهود التي صرفوها ويصرفونها، إعدادًا لهذا الأسبوع واحتفالاً به."

د. بسوس

وكانت مداخلة د. مايك بسوس "لماذا أسبوع الكتاب المقدس؟ أهميته ونظرة شاملة" فقال:

"تتحضّر الكنيسة في لبنان للاحتفال باسبوع الكتاب المقدس الثالث خلال الفترة من 15– 21 تشرين الثاني 2015. ويأتي ذلك بعد سلسلة من النشاطات السنوية انطلقت من اعلان سنة الكتاب المقدس في 2012 وتلاها اسبوع الكتاب المقدس الاول سنة 2013 والثاني سنة 2014، وها نحن اليوم في صدد اعلان اسبوع الكتاب المقدس الثالث.  ولبنان كان البلد الوحيد في الشرق الاوسط الذي بادر إلى تنفيذ ارشادات قداسة البابا بندكتوس السادس عشر في الارشاد الرسولي حول "الكنيسة في الشرق الاوسط، شركة وشهادة".  ونتمنى ان تنتقل هذه المبادرة الى البلدان الاخرى والمجاورة."

تابع "انما الديناميكية والشراكة المسكونية الموجودة في لبنان، والتي قوامها التعاون بين مجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان وجمعية الكتاب المقدس والرابطة الكتابية والامانة العامة للمدارس الكاثوليكية وتيلي لوميار والعمل الرعوي الجامعي ولجنة الشبيبة وغيرها من المؤسسات الكاثوليكية والمسكونية ...، هذا التعاون والمستوى الرفيع من التآزر، مكّن الكنيسة من ان تحتفل، وللمرة الثالثة، بأسبوع الكتاب المقدس."

وتسأل "لماذا الكتاب المقدس ؟

1 -  إنه اكثر الكتب ترجمةً ونشرًا وتوزيعًا في تاريخ البشرية، فقد تُرجم الكتاب المقدس إلى اكثر من 2560 لغة ولهجة حول العالم، ما يغطي حوالي 95 بالماية من اللغات واللهجات المتداولة حول العالم وذلك سعيا منّا كي يحصل كل انسان على هذا الكنز العظيم بلغته الام.

2- انه كتاب فريد بين الكتب، فريد في تكوّنه واستمراريته، فقد تكوّن، حتى وصل إلينا بحالته الحالة، في مدة تتجاوز الألف وخمسماية سنة، اشترك في كتابته حوالي أربعين كاتبًا مُلهمًا، كانوا من مختلف طبقات المجتمع، كُتب في أماكن مختلفة، كُتب في أوضاع سياسية واجتماعية مختلفة، كُتب في ظروف نفسية مختلفة، كُتب في أماكن  تقع في ثلاث قارات مختلفة: آسيا، افريقيا، اوروبا، كُُتب بثلاث لغات أصلية: عبري، آرامي، يوناني، تُرجم إلى لغات العالم القديم الرئيسة: الآرامية العبرية والآرامية السريانية، واليونانية واللاتينية، وتطرّق الكتاب المقدس الى مواضيع أساسية في الحياة، منها ما يتعلق بالوجود، مثل الخليقة، والكون، وأصل الإنسان ومصيره؛ ومنها ما يتعلق بالقيم والأخلاق،ومنها، وربما أهمها، ما يتعلق بخلاص الانسان."

3- إنه اكثر الكتب تأثيرًا في حياة الناس، وهدف الكتاب المقدس هو ان يتعرّف كل انسان إلى الشخص الذي هو موضوع هذا الكتاب، الكلمة الحي سيدنا يسوع المسيح."

وقال "خلال هذا الاسبوع، نتقرّب أكثر من كلمة الله من خلال النشاطات المختلفة التي سينظمها المشرفون عليه التي تهدف إلى إحياء كلمة الله فينا.  فنحن بحاجة أن نتذكر ونُذكر بأهمية الكتاب المقدس ومركزيته في حياة المؤمنين والكنيسة.  وبناء عليه سنطلق خلال هذا الاسبوع أول كتاب من سلسلة سنوية بعنوان "مع الكتاب كلّ يوم"، وهو كناية عن قراءات ربيّة (Lectio Divina) يومية، يحتوي كل تأمل على مقطع من الكتاب المقدس، وشرح للنص، ثم تأمل في النص، وفكرة رئيسة، وصلاة، ومساحة فارغة لكي يملأها القارىء بقرارات يومية بعد التأمل."

تابع "ان رؤية جمعية الكتاب المقدس والرابطة الكتابية أن ينتشر هذا الكتاب بكثرة بين أيدي طلاب الجامعات، ومنشطي وأعضاء الحركات الرسولية، والعاملين في التربية المسيحية وبين الشبيبة، وكل شعب الكنيسة. وكنّا في بداية هذه السنة قد أطلقنا كتاب "سنة مع الكتاب المقدس" للّذين يودّون قراءة الكتاب المقدس كاملا بطريقة متوازنة في قراءات متناغمة خلال سنة. وسيتم، بالمشاركة مع جميع الأبرشيات والرهبانيات نشر "الكتاب المقدس قراءة رعائية"، هذه التحفة الرائعة نتاج عمل مسكوني رائد، لجميع الكهنة والآباء والمكرّسين والمهتمين كي يغوص شعبنا في فهم وتطبيق كلمة الله في حياتنا."

وختم بالقول "نتمنى ان تكون هذه المنشورات وسيلة فعّالة لتثقف شعبنا ومجتمعنا بمحتوى كلمة الله والتحفيز على قراءة كلمة الله والتأمل بها يوميا.  انها مساهمتنا في مشروع "الانجلة الجديدة" ووسيلة تعاون مع كل المؤسسات المسيحية من أفراد وجمعيات رسولية وكنائس، من اجل خلق جماعة مسيحية مؤسسة على الكلمة وتتغذى بالكلمة، وتسترشد بالكلمة، وتتعزى بالكلمة... "

المطران عون

ثم تحدث المطران عون عن يوبيل سنة الرحمة فقال:

"نحن بصدد الكلام عن سنة الرحمة، السنة اليوبيلية المقدّسة التي أعلنها قداسة البابا فرنسيس، والتي أرادها برغبةٍ شديدة كي تكون بالنسبة للكنيسة مناسبةً للعودة إلى كلام الرب في الكتاب المقدّس ومناسبةً لها للتفكير في جوهر رسالتها ودورِها في الأزمنة الراهنة. ولماذا اختيار الرحمة موضوعًا للسنة المقدّسة الاستثنائية، لا سيما أن البابا القديس يوحنا بولس الثاني وكان قد سبق وكتب رسالةً عامة في الرحمة الإلهية؟"

تابع "مما لا شكّ فيه أن قداسة البابا فرنسيس، ومنذ بداية حبريته، لا ينفك عن التذكير بأن رسالةَ الكنيسة هي عيشُ البساطة والتواضع، والدعوة إلى المحبة والرحمة بشكلٍ ملموس من خلال مواقف وأعمال واقعية تعكس وجه المحبة والرحمة. ولأن يسوعَ المسيح هو وجهُ رحمةِ الآب، إذ من خلال كلماته وأفعاله وكل شخصه كان يُظهر رحمةَ الله، فنحن بحاجة دائمًا إلى التأمل بسرّ الرحمة، بكونها نبعُ الفرح والصفاء والسلام."

أضاف "يقول قداستُه في مطلع الرسالة التي يُعلِن فيها عن هذه السنة المقدّسة: "هناك أوقات نحن مدعوون فيها بصورةٍ مُلحّة إلى أن نركّز نظرَنا على الرحمة، لكي نُصبحَ نحن أيضًا علاماتٍ فعّالةً لعمل الآب. لهذا السبب أردتُ هذا اليوبيل الاستثنائي للرحمة، كزمنٍ مُلائمٍ للكنيسة، لكي تُصبحَ شهادةُ المؤمنين أقوى وأكثر فعالية" (عدد ٣)."

وقال "وعن الباب المقدَّس الذي يُفتحُ عادةً في السنة المقدّسة يقولُ البابا: "سيكون البابُ المقدّس الذي يُفتَح في هذه المناسبة بابًا للرحمة، وكل من يدخل منه يستطيع أن يختبر محبة الله الذي يعزّي ويغفر ويُعطـى الرجاء" (عدد ٣). ونحن، بفعل عرفان كبير لما اُعطيت الكنيسة من نِعَم، وبروح مسؤوليةٍ للموهبة التي نلناها، نعبرُ الباب المقدس متأكّدين من أن المسيحَ القائم يستمرُّ في دعمِ حجِنا على هذه الأرض، وأن قوتَه ترافقُنا دائمًا."

تابع "أمّا عن اختيار الثامن من كانون الأول القادم كموعد لفتح الباب المقدس في كاتدرائيته مار يوحنا اللاتران فيُعطي قداسة البابا فرنسيس سببَين معبِّرين للغاية. أولاً، لأن عيدَ الحبل بلا دنس يُبيّن كيف اختار اللهُ مريم قديسة وبلا دنس في المحبة لتُصبح أم فادي الإنسان. فتجاه فداحة الخطيئة، يردّ الله بملء الغفران. والرحمة ستكون دائمًا أكبر من الخطيئة، ولن يستطيع أحدٌ أن يفرضَ حدًّا لمحبة الله الذي يغفر. وثانيًا، لأن تاريخ الثامن من كانون الأول يصادف الذكرى الخمسين لختام أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني، والكنيسة تشعر بالحاجة إلى أن تُبقيَ هذا الحدث حيًا، إذ معه بدأت مرحلة جديدة من تاريخها."

أردف يتابع قداسته قائلاً "عندما سنغلق الباب المقدس في العشرين من تشرين الثاني ٢٠١٦، يوم عيد المسيح الملك، سنكون ممتلئين من الشعور بالشكران والعرفان بالجميل للثالوث الأقدس الذي أعطانا أن نحيا بالنعمة هذا الزمن الاستثنائيّ. ونكلُ حياةَ الكنيسة والبشريةَ بأسرِها والكونَ كلّه إلى ربوبية المسيح لكي ينشر رحمتَه مثل ندى الصباح من أجل تاريخ خصب نبنيه بالتزامنا جميعًا في خدمة مستقبلنا القريب. وكم أرغب بأن تكون السنوات القادمة مُشبعة بالرحمة والمحبة كي نذهبَ لملاقاة كلِّ إنسان ونقدمَ له طيبةَ الله وحنانَه" (عدد ٥ و ٦)."

أضاف "وللتعبير عن أن المغفرة والرحمة هي علامةُ قوّة تنبعُ من علاقتنا مع الرب، وليست علامةَ ضعفٍ كما يظنُّ الكثيرون، يُذكِّر قداستُه أن الرحمةَ هي ميزةُ الله، وقدرتُه الفائقة تتجلّى حقًا عندما يفعل الرحمة. فهو "طويلُ الروح وكثيرُ الرحمة"، وتتجلّى رحمتُه واقعيًا في داخل أحداث كثيرة من تاريخ الخلاص حيث طيبته تتغلّب على العقاب والتدمير. "

وقال "كلّ هذا الكلمات والمواقف التي تذخرُ بها المراجعُ الكتابية في العهدين القديم والجديد تضعُنا اليوم، نحن أبناءَ الكنيسة، أمام مسؤوليتِنا في عيش الشهادة عبر المحبة والرحمة والمغفرة، ليس فقط في هذه السنة اليوبيلية، ولكن انطلاقًا منها في السنوات القادمة وفي كلّ أيام حياتنا، كي نكون تلامذةً وشهودًا حقيقيين للمسيح المُحبّ والرحيم والغفور."

تابع "نعم، إن الغفران، كما نظنه غالبًا، صعبٌ علينا، ولكن الغفران هو الوسيلة التي وُضعت في أيدينا الواهنة لنصل إلى سلام القلب. وعلينا، كما يقول قداستُه، أن نتذكّر أن التطويبة "طوبى للرحماء، فإنهم يُرحمون" هي التي يجب أن نلتزم بها بشكلٍ خاص في هذه السنة المقدسة. فالرحمة هي الركيزة التي تُسنِد حياة الكنيسة في عملها الراعويّ، ومصداقية الكنيسة تمرّ عبر طريق المحبة الرحيمة والشفقة."

أضاف " والمحبة لا يمكن أن تكون كلمة مجرّدة. بطبيعتها هي حياة واقعية: نوايا، مواقف، تصرّفات تتحقّقُ في الأعمال اليومية. رحمةُ الله هي مسؤوليتُه تجاهنا لأنه يريد لنا الخير ويريد أن يرانا سعداء وممتلئين فرحًا وسلامًا. ومحبة المسيحيين الرحيمة يجب أن تكون على الموجة نفسِها. كما الآب يحب، كذلك يجب الأولاد. كما هو رحيم، كذلك نحن مدعوون لنكون رحماء تجاه بعضنا البعض."

وقال "إن التجربة في فرضِ العدالة دائمًا ووحدها العدالة، جعلت الكنيسة تنسى أن العدالة ليست سوى الخطوة الأولى الضرورية، ولكن الكنيسة يجب أن تذهب أبعد منها لتصل إلى هدفٍ أسمى وأكثر تعبيرًا. ومن جهة أخرى، يُحزنُنا كم أصبح اختبار الغفران نادرًا في ثقافتنا. حتى كلمة غفران بدأت تغيب أحيانًا. بدون شهادة المغفرة، تصبح حياتنا غير خصبة وعقيمة كالحياة في الصحراء. حان الوقت لتكتشف الكنيسة مجدّدًا الإعلان المفرِح للغفران. أصبح الوقت مُلحًّا لنعود إلى ما هو جوهريّ لنحمل أثقال ومشاكل إخوتنا. إن المغفرة هي قوةٌ تُقيمنا إلى حياة جديدة وتعطينا الشجاعة للنظر إلى المستقبل برجاء."

تابع "في رسالته العامة حول الرحمة الإلهية، يلاحظ القديس البابا يوحنا بولس الثاني نسيان موضوع الرحمة في ثقافتنا الحاضرة: "يبدو أن العقلية المعاصرة تتعارض مع إله الرحمة، وتميل إلى حذف فكرة الرحمة من الحياة ومن القلب البشريّ. وكأن كلمة وفكرة الرحمة تزعج الإنسان الذي، بفضل التقدّم العلميّ والتقنيّ، أصبح سيّد الأرض التي أخضعها وسيطر عليها. إن إخضاع الأرض عندما يُفهم بطريقة أحادية وسطحية لا يترك مكانًا للرحمة."

تابع "الكنيسة تحيا حياةً حقيقية عندما تُعلن وتعترف بالرحمة، الصفة الأروع للخالق والفادي، وعندما تقود البشر إلى ينابيع رحمة المخلّص، إذ هي مؤتمنة عليها وعلى توزيعِها."

ورأى "في أيامنا هذه حيث الكنيسة ملتزمة بالإعلان الجديد للإنجيل، يجب أن يُعرَض موضوع الرحمة بحماس جديد ومن خلال راعوية متجدّدة. إنه لأمرٌ حاسم بالنسبة للكنيسة ولمصداقية إعلانها الإيمانيّ أن تحيا هي نفسُها الرحمة وتشهدَ لها. يجب أن تنقل كلماتُها وأعمالُها الرحمة لتدخل قلوب الأشخاص وتحثَّهم على إيجاد طريق العودة إلى الآب."

وقال "لذلك، حيث توجَد الكنيسة يجب أن تظهرَ جليًا رحمةُ الآب. في رعايانا، الجماعات، المنظمات والحركات الرسولية، بالخلاصة، حيث يوجَد مسيحيون، يجب على كل إنسان أن يتمكّن من إيجاد واحة رحمة."

تابع "ولا يجب أن ننسى أهمية الحج ومعناه خلال السنة المقدسة، لأنه صورة الطريق الذي يسلكه كل أنسان طيلة حياته. إن القيام بالحج المقدّس يُشيرُ إلى أن الرحمة هي هدف يجب أن نبلغَه ويتطلّب التزام وتضحية. فالحج المقدّس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوبة: عندما نعبر الباب المقدس نتركُ رحمةَ الله تُعانقُنا، ونلتزم بأن نكون رحماء مع الآخرين كما هو الآب معنا."

أضاف "في النهاية يتمنّى قداسةُ البابا أن يفكّر الشعب المسيحيّ خلال اليوبيل بأعمال الرحمة الجسدية والروحية. ستكون مناسبة لإيقاظ ضميرِنا النائم أمام مآسي الفقر والدخول أكثر فأكثر في قلب الإنجيل حيث الفقراء هم من يجب أن تصل إليهم بامتياز الرحمةُ الإلهية."

وختم المطران عون بالقول "كل كنيسة محلية مدعوة بشكل مباشر إلى عيش هذه السنة المقدسة كزمن نعمة وتجديد روحيّ. وهذا ما يجب أن نعملَ عليه معًا في مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وما يجب أن يُتَرجَم في كل أبرشيةٍ من أبرشياتنا، وفي كافة مؤسساتنا الكنسية كي تستفيد من زمن النعمة هذا، وتعود كنيستُنا لتكون علامة الرحمة والغفران في عالم اليوم."

أبو كسم

واختتمت الندوة بكلمة الخوري عبده أبو كسم فقال: "نفتتح اليوم سلسلة ندوات عن الكتاب المقدّس وقد أصبحت هذه الندوات محطة أساسيّة سنويّة للتأمل في موضوع عام، على مدار السنة. وهذه السنة اتخذت جمعية الكتاب المقدّس موضوع الرحمة إنسجاماً مع دعوة قداسة البابا فرنسيس الذي كرّس هذه السنة للرحمة الإلهيّة."

تابع "وفي المناسبة، أدعو العائلات والشبيبة، ورجال الأعمال وأصحاب المهن إلى إقتناء الكتاب المقدّس، وقراءته ولو جملةً واحدة في اليوم، مستذكرين رحمة الله للإنسان. وإن في ذلك عودةٌ إلى القيم السماوية والأخلاقية التي تحصّن الإنسان كي لا يقع في فخاخ الشر والخطيئة."

وقال "وما نواجهه اليوم من إنحدار خلقي، وتهجّم على رموزنا الدينيّة، ليس إلاّ نتيجة إبتعاد من يقترفون هذه الجرائم الأخلاقية، عن كتاب الله وتعاليمه."

وختم بالقول "في كل حال نضرع إلى يسوع الفادي، الرحمة الإلهيّة على هذه الأرض، لكي يملء قلوب عيالنا وشبابنا بنوره الإلهي، لنبقى رسل سلامٍ ومحبة في محيطنا وفي العالم."